الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

100

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لهذا كانت جملة قُلْ كُونُوا حِجارَةً إلخ غير معطوفة ، جريا على طريقة المحاورات التي بينتها عند قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة [ 30 ] . وإن كان قوله : قُلْ ليس مبدأ محاورة بل المحاورة بالمقول الذي بعده ؛ ولكن الأمر بالجواب أعطي حكم الجواب فلذلك فصلت جملة قُلْ . واعلم أن ارتباط رد مقالتهم بقوله : كُونُوا حِجارَةً إلخ غامض ، لأنهم إنما استبعدوا أو أحالوا إرجاع الحياة إلى أجسام تفرّقت أجزاؤها وانخرم هيكلها ، ولم يعللوا الإحالة بأنها صارت أجساما ضعيفة ، فيرد عليهم بأنها لو كانت من أقوى الأجسام لأعيدت لها الحياة . فبنا أن نبين وجه الارتباط بين الرد على مقالتهم وبين مقالتهم المردودة ، وفي ذلك ثلاثة وجوه : أحدها : أن تكون صيغة الأمر في قوله : كُونُوا مستعملة في معنى التسوية ، ويكون دليلا على جواب محذوف تقديره : إنكم مبعوثون سواء كنتم عظاما ورفاتا أو كنتم حجارة أو حديدا ، تنبيها على أن قدرة اللّه تعالى لا يتعاصى عليها شيء . وذلك إدماج يجعل الجملة في معنى التذييل . الوجه الثاني : أن تكون صيغة الأمر في قوله : كُونُوا مستعملة في الفرض ، أي لو فرض أن يكون الأجساد من الأجسام الصلبة وقيل لكم : إنكم مبعوثون بعد الموت لأحلتم ذلك واستبعدتم إعادة الحياة فيها . وعلى كلا الوجهين يكون قوله : مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ نهاية الكلام ، ويكون قوله : فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا مفرعا على جملة وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا [ الإسراء : 49 ] إلخ تفريعا على الاستئناف . وتكون الفاء للاستئناف وهي بمعنى الواو على خلاف في مجيئها للاستئناف ، والكلام انتقال لحكاية تكذيب آخر من تكذيباتهم . الوجه الثالث : أن يكون قوله : قُلْ كُونُوا حِجارَةً كلاما مستأنفا ليس جوابا على قولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً [ الإسراء : 49 ] إلخ وتكون صيغة الأمر مستعملة في التسوية . وفي هذا الوجه يكون قوله : فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا متصلا بقوله : كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً إلخ ، ومفرعا على كلام محذوف يدل عليه قوله : كُونُوا حِجارَةً ،